محمد بيومي مهران

42

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

ظهر أنهما جاءا من خصومة ليحكم بينهما فيها ، استغفر ربه من هذا الظن وخر ساجدا منيبا إلى اللّه تعالى ، فغفر اللّه له ذلك الظن ، لأنه ما كان ينبغي من مثله وكما هو معلوم حسنات الأبرار سيئات المقربين ، وربما كان استغفاره لأن انقطاعه للعبادة يوما كاملا عن أمته ، واختلاءه بنفسه ذلك اليوم كله ، يؤدي حتما تركه النظر في ذلك اليوم في أمر رعيته وأمته التي استودعه للّه عز وجل رعاية مصالحها ، فجاءه مثال من حاجتها إليه في كل وقت ليقوم بإصلاح ذات بينها ، وإقرار التراحم والتآخي بين أفرادها حتى يكونوا على هدى من ربهم ، كما يدل على ذلك قول الخصمين له « واهدنا إلى سواء الصراط » ثم بيّن اللّه تعالى لداود عليه السلام مهمته في هذه الحياة الدنيا ، باعتباره ملكا على بني إسرائيل ، ونبيّا مرسلا ، إذ الملك يقتضي خلافته للّه تعالى في الأرض بالنظر في مصالح رعيته والحكم بينهم بالعدل ، وفصل قضاياهم بما يرفع الظلم والبغي عن ضعفائهم ، إذا حاوله كبراؤهم وأقوياؤهم « 1 » ، وذلك لا يتم على الوجه المطلوب إلا إذا وضع نفسه قريبا منهم في كل آن ، قال تعالى : يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ « 2 » ، فأخبره أنه جعله خليفة في الأرض وأمره بالحكم بين الناس والفصل في قضاياهم بالحق ، والنبوة تعود الملك وتحرسه عن أن تندبه مطالب الدنيا عن سبيل الحق والعدل ، وتسلك به مسالك الطهر والتزام الهدى « 3 » . على أن رواية أخرى تذهب إلى أن الخطأ الذي وقع من داود أنه سمع

--> ( 1 ) جاء في بعض الآثار « السلطان ظل اللّه في أرضه » ، وقال الخليفة عثمان بن عفان : « إن اللّه ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن » البداية والنهاية : 2 / 10 . ( 2 ) سورة ص آية : 26 . ( 3 ) عويد المطرفي المرجع السابق ص : 53 - 54 .